البَحْثُ عَنِ اليَابِسَة
قصّة من كتاب دهشة التفاح الصادر سنة 2007 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر
قصّة من كتاب دهشة التفاح الصادر سنة 2007 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر
_____________________________________________
· أخيراً وصلتُ.
ربّما تسع دقائق أو تزدادُ دقيقة بين عملي وداري. ليس سوى طريق واحدة طويلة على أيّ قدمٍ، قصيرة على عجلات السيّارات. كانت سيّارتي صغيرة، لكن لها صولاتها وجولاتها في الزحام، وأثناء تكدّس السيّارات في المواقف العامّة والخاصّة.
***
أخرجُ من عملي، المطرُ غزيرٌ لم يتوقّف منذ ساعة، وأنا متعبٌ، عليَّ أنْ أستريح.
"فلأعبر هذا الهوس المائي حتّى أصِل إلى الموقفِ": قلتُ لنفسي.
كانت المواقف التابعة لمبنى العمل بعيدة قليلاً.
أزاحَ المطرُ المنهمرُ فوقي كلَّ مشاكلي ليجعلني بلّورة صافيةَ، فصاحبني الطفل الذي كان يوماً أنا.
بدأ البالُ الصافي مشروع قلقٍ لا يبدو سهلاً، حينَ شاهدَ نصف السيّارات التي في الموقف غارقة ومعطّلة.
"يا رَبّ" ثم يشتغل محرّك هذه الصغيرة، لأخرج من هذه البحيرة الآسنة. أحسّ بأوساخ كثيرة في جسدي. الوحل الملتصق في حذائي يثقل رأسي، يرهق عنقي.
· "لن تصل": الطفل الذي كان يوماً أنا، يجلس معي داخل السيّارة ويبثُّ وساويسه.
يتسللّ الخوف شيئاً فشيئاً. أرى الشارع كلّه متّشحاً بالخوف، وقد آلَ إلى بركٍ ضاحلة. بعض السيّارات الكبيرة على قارعة الطريق، بعض آخر قد توقّف في منتصف الشارع، ثمّة رجال يحاولون دفع عرباتهم، آخرون استراحوا تحت الأشجار المبلّلة، قليلون قد رأيتهم نائمين فوق سيّاراتهم الغارقة في البحر الذي ولد في ساعة ونيف، بعض صبيةٍ يسبحون.
صار خوفي أكبر من خوف الطفل. الشارع يتماوج، يذهب ويأتي، يهبط ويصعد، أمواجه بنّية غامقة.
الماء يغطّي سيّارتي مرّة بعد أخرى. تنفّسي الضيّق أصلا صار أصعب، صار عملية معقّدة، لكنّ خوفي على أنفاس محرّك السيّارة أكبر من خوفي على أنفاسي.
عيناي لم تعد تقوى على الرؤية، أحاول أن أرى على جانبي الشارع أيّ محلّ لبيع النظّارات. أذكر جيّداً أنّي نسيت نظّارتي فوق سطح مكتبي في العمل. كنتُ مشغول البال، أفكّر بالعودة إلى داري لأستريح، ما زلتُ متعباً. يتراقص أمام عيني الشارع والسيّارات ومقدّمة سيّارتي التي تظهر حينا وتختفي تحت الماء باقي الوقت، وأنا على شكٍّ من هذا الرقص فلربّما بسبب عيني التي تحتاج لنظّارة عند القراءة وقيادة السيّارة لانحراف "بسيط أو طفيف في العينين": هكذا قال طبيب العيون عدّة مرّات وطمأنني، مشدّداً على "بسيط أو طفيف". يا له الآن من انحراف واسع، لا أرى أيّ محلّ على جانبي الشارع إلا مغلقاً. أحد الواقفين الذين تعطّلت سيّاراتهم على عينيه نظّارة. سألته أن يعيرني إيّاها فقال لي "أأنت أهبل؟!"، عرضت أن أشتريها ولم أكن باخساً بعدما أكّدت له أنّني لست أبلهَ بل متعباً وعليّ أن أستريح، لكنّه أخرج قاموساً من الشتائم "الدسمة" من فمه، حتّى كاد يضربني غيظاً. ربما كان ينتظر أحدا يساعده، فلمّا أوقفت سيّارتي بمحاذاته ظنّ بأنني جئتُ لنجدته فخيّبت رجاءه وظنونه.
· من هذا الذي يفرّط بنظّارة في مثل هذا النهار العسر؟
رأيت آخرَ على عينيه واحدة، وفي جيبِ قميصه نظارةً أخرى، سألته إيّاها إقراضاً أو إحساناً أو بيعاً، لكنّه ضحك موضحاً باستغرابٍ: "لا توجد شمس، لن تظهر اليوم".
قلت: "لا أقوى على الرؤية، نسيتُ نظّارتي".
فردّ بوقارٍ وأدبٍ:
"يا حمار.. أنت لا تفهم، قلنا هذه نظّارة شمسيّة".
قلت: " أيّ نظّارة، أيّ شيء.. المهم أن أشوف".
لكنّه غادر قبل أن أنتهي من كلامي، تاركاً خلفه سيّارته المعطّلة.
ـ لن نصلْ .
* سأتأخّر قليلا، ثمَّ أصِلُ.
ـ نزيل الوحل بحمّام دافئ، وصابون معطّر.
* آكل الطعام الشهي الذي تعدّه أمّي.
ـ تشرب قهوتك أمامها، وأشرب قهوتي سرّا.
* ثمّ أستريح.
_ ثمّ نستريح.
مركبٌ خشبيّ يمرّ من جانبنا، يضحك بوجهنا كلّ من فيه، بالكاد نسمع تعليقاتهم:
"العربات ليست للبحر"
نعبرُ بحيرة تلو أخرى، الأوحال الملتصقة في حذائي علقتْ بِكلّ فرش السيّارة، دون أن أدرك كيف حدث هذا، والماء الآسن تسللّ إليها.
· يخترق الماء أيّ حصارٍِ.
عبرنا عشرين بحيرة. تعبٌ لا يفسّر، قلق مضجرُ، قلق يستنفد أيّ قوّة، فكيف بالضعيف مثلي. خوف لا يهدأ، ويأسٌ يطمس روحي بأنّني باقٍ هاهنا حتّى أموت. رأيتُ سيّارة تُشبه سيّارتي عاطلةً عن الحركة، قد خار صمودها أخيراً. رؤيتها أكّدت وسواس يأسي.
· كان عليك أن تشتري سيّارة أعلى قليلاً من هذا السلحفاة العجوز! وكلتاهما بالتقسيط المريع جدّا.
مئة متر حتّى أصلَ إلى بيتي الذي غادرته منذ "أسبوع" ثم أستريح.
***
قمتُ صبيحة اليوم التالي.كنت مبتهجاً راضياً بالسيّارة الصغيرة التي صمدتْ من أجلي. نزلت الشارع مبكّراً نظرت إليها متعجِّباً من صبرها وصمودها. أمعنتُ النظر فيها مليّا كأنّها في نهارها الأوّل، ثم غسلتها بإخلاصٍ ودلّلتها بالتنظيف مردّداً بعض ما أحفظ من أغان.
أدرت مفتاح المحرّك مرّة، ومرّات "لا فائدة"، حتى تنبّهت بأنَّ "الصغيرة الوفيّة" لم تزل نائمة، وأنّها لن تستيقظ بإلحاحي فقط.
***
أذاع مذيع الأخبار والنكبات في التلفزيون المحليّ مساءً "خبر الأمطار"، كعادتهِ كان مبتسماً، قال جملته الشهيرة التي نحفظها نحن المواطنين المحرومين من نعمة الغيث:
"هطلت أمطار غزيرة صباح هذا اليوم على أرجاء المدينة، جرت على إثرها الأودية والشعاب، جعلها الله سُقْيَ خيرٍ وبركة، وعَمّ بنفعها جميع العباد".
***
جدّة 15 تشرين الثاني 1997
· أخيراً وصلتُ.
ربّما تسع دقائق أو تزدادُ دقيقة بين عملي وداري. ليس سوى طريق واحدة طويلة على أيّ قدمٍ، قصيرة على عجلات السيّارات. كانت سيّارتي صغيرة، لكن لها صولاتها وجولاتها في الزحام، وأثناء تكدّس السيّارات في المواقف العامّة والخاصّة.
***
أخرجُ من عملي، المطرُ غزيرٌ لم يتوقّف منذ ساعة، وأنا متعبٌ، عليَّ أنْ أستريح.
"فلأعبر هذا الهوس المائي حتّى أصِل إلى الموقفِ": قلتُ لنفسي.
كانت المواقف التابعة لمبنى العمل بعيدة قليلاً.
أزاحَ المطرُ المنهمرُ فوقي كلَّ مشاكلي ليجعلني بلّورة صافيةَ، فصاحبني الطفل الذي كان يوماً أنا.
بدأ البالُ الصافي مشروع قلقٍ لا يبدو سهلاً، حينَ شاهدَ نصف السيّارات التي في الموقف غارقة ومعطّلة.
"يا رَبّ" ثم يشتغل محرّك هذه الصغيرة، لأخرج من هذه البحيرة الآسنة. أحسّ بأوساخ كثيرة في جسدي. الوحل الملتصق في حذائي يثقل رأسي، يرهق عنقي.
· "لن تصل": الطفل الذي كان يوماً أنا، يجلس معي داخل السيّارة ويبثُّ وساويسه.
يتسللّ الخوف شيئاً فشيئاً. أرى الشارع كلّه متّشحاً بالخوف، وقد آلَ إلى بركٍ ضاحلة. بعض السيّارات الكبيرة على قارعة الطريق، بعض آخر قد توقّف في منتصف الشارع، ثمّة رجال يحاولون دفع عرباتهم، آخرون استراحوا تحت الأشجار المبلّلة، قليلون قد رأيتهم نائمين فوق سيّاراتهم الغارقة في البحر الذي ولد في ساعة ونيف، بعض صبيةٍ يسبحون.
صار خوفي أكبر من خوف الطفل. الشارع يتماوج، يذهب ويأتي، يهبط ويصعد، أمواجه بنّية غامقة.
الماء يغطّي سيّارتي مرّة بعد أخرى. تنفّسي الضيّق أصلا صار أصعب، صار عملية معقّدة، لكنّ خوفي على أنفاس محرّك السيّارة أكبر من خوفي على أنفاسي.
عيناي لم تعد تقوى على الرؤية، أحاول أن أرى على جانبي الشارع أيّ محلّ لبيع النظّارات. أذكر جيّداً أنّي نسيت نظّارتي فوق سطح مكتبي في العمل. كنتُ مشغول البال، أفكّر بالعودة إلى داري لأستريح، ما زلتُ متعباً. يتراقص أمام عيني الشارع والسيّارات ومقدّمة سيّارتي التي تظهر حينا وتختفي تحت الماء باقي الوقت، وأنا على شكٍّ من هذا الرقص فلربّما بسبب عيني التي تحتاج لنظّارة عند القراءة وقيادة السيّارة لانحراف "بسيط أو طفيف في العينين": هكذا قال طبيب العيون عدّة مرّات وطمأنني، مشدّداً على "بسيط أو طفيف". يا له الآن من انحراف واسع، لا أرى أيّ محلّ على جانبي الشارع إلا مغلقاً. أحد الواقفين الذين تعطّلت سيّاراتهم على عينيه نظّارة. سألته أن يعيرني إيّاها فقال لي "أأنت أهبل؟!"، عرضت أن أشتريها ولم أكن باخساً بعدما أكّدت له أنّني لست أبلهَ بل متعباً وعليّ أن أستريح، لكنّه أخرج قاموساً من الشتائم "الدسمة" من فمه، حتّى كاد يضربني غيظاً. ربما كان ينتظر أحدا يساعده، فلمّا أوقفت سيّارتي بمحاذاته ظنّ بأنني جئتُ لنجدته فخيّبت رجاءه وظنونه.
· من هذا الذي يفرّط بنظّارة في مثل هذا النهار العسر؟
رأيت آخرَ على عينيه واحدة، وفي جيبِ قميصه نظارةً أخرى، سألته إيّاها إقراضاً أو إحساناً أو بيعاً، لكنّه ضحك موضحاً باستغرابٍ: "لا توجد شمس، لن تظهر اليوم".
قلت: "لا أقوى على الرؤية، نسيتُ نظّارتي".
فردّ بوقارٍ وأدبٍ:
"يا حمار.. أنت لا تفهم، قلنا هذه نظّارة شمسيّة".
قلت: " أيّ نظّارة، أيّ شيء.. المهم أن أشوف".
لكنّه غادر قبل أن أنتهي من كلامي، تاركاً خلفه سيّارته المعطّلة.
ـ لن نصلْ .
* سأتأخّر قليلا، ثمَّ أصِلُ.
ـ نزيل الوحل بحمّام دافئ، وصابون معطّر.
* آكل الطعام الشهي الذي تعدّه أمّي.
ـ تشرب قهوتك أمامها، وأشرب قهوتي سرّا.
* ثمّ أستريح.
_ ثمّ نستريح.
مركبٌ خشبيّ يمرّ من جانبنا، يضحك بوجهنا كلّ من فيه، بالكاد نسمع تعليقاتهم:
"العربات ليست للبحر"
نعبرُ بحيرة تلو أخرى، الأوحال الملتصقة في حذائي علقتْ بِكلّ فرش السيّارة، دون أن أدرك كيف حدث هذا، والماء الآسن تسللّ إليها.
· يخترق الماء أيّ حصارٍِ.
عبرنا عشرين بحيرة. تعبٌ لا يفسّر، قلق مضجرُ، قلق يستنفد أيّ قوّة، فكيف بالضعيف مثلي. خوف لا يهدأ، ويأسٌ يطمس روحي بأنّني باقٍ هاهنا حتّى أموت. رأيتُ سيّارة تُشبه سيّارتي عاطلةً عن الحركة، قد خار صمودها أخيراً. رؤيتها أكّدت وسواس يأسي.
· كان عليك أن تشتري سيّارة أعلى قليلاً من هذا السلحفاة العجوز! وكلتاهما بالتقسيط المريع جدّا.
مئة متر حتّى أصلَ إلى بيتي الذي غادرته منذ "أسبوع" ثم أستريح.
***
قمتُ صبيحة اليوم التالي.كنت مبتهجاً راضياً بالسيّارة الصغيرة التي صمدتْ من أجلي. نزلت الشارع مبكّراً نظرت إليها متعجِّباً من صبرها وصمودها. أمعنتُ النظر فيها مليّا كأنّها في نهارها الأوّل، ثم غسلتها بإخلاصٍ ودلّلتها بالتنظيف مردّداً بعض ما أحفظ من أغان.
أدرت مفتاح المحرّك مرّة، ومرّات "لا فائدة"، حتى تنبّهت بأنَّ "الصغيرة الوفيّة" لم تزل نائمة، وأنّها لن تستيقظ بإلحاحي فقط.
***
أذاع مذيع الأخبار والنكبات في التلفزيون المحليّ مساءً "خبر الأمطار"، كعادتهِ كان مبتسماً، قال جملته الشهيرة التي نحفظها نحن المواطنين المحرومين من نعمة الغيث:
"هطلت أمطار غزيرة صباح هذا اليوم على أرجاء المدينة، جرت على إثرها الأودية والشعاب، جعلها الله سُقْيَ خيرٍ وبركة، وعَمّ بنفعها جميع العباد".
***
جدّة 15 تشرين الثاني 1997